بيئة العمل.. والحرب الباردة – الجزء الأول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

أعود اليكم اليوم لأكتب عن عنصر لا تخلو منها بيئات عمل الشركات والمؤسسات، سواء كانت في الصين.. أم في مصر أو في البرازيل وفي كل دول العالم.. وهي السياسة والحروب الخفية في بيئة العمل.

علمتني الحياة أن لكل فرد منا حق في أن يحلم.. وأن يسعى ليحقق حلمه، ولكن علمتني أيضاً أن تحقيق هذا الحلم له أساليب وطرق، وقد تتصادم هذه الطرق مع طرق الغير وتحدث المواجهه.. وقد لا تتصادم.. ولكن يضل المرء طريقة بسبب ارادة الله.. أو لأمر يقف وراءه شخص ما.. وقد لا تتصادم مع أحد ويتحقق الحلم!

تدوينتي هذه تتحدث حول عنصر مهم في بيئة العمل وهو “السياسة” وهي مفردة متعددة المفاهيم.. وتم تأليف آلاف الكتب عنها وذلك لأنها مهمة جداً في تحقيق النجاح، وبالتالي الحلم.

ان نظرنا الى أي بيئة عمل لوجدنا شخصيات وأجناس متعددة، وثقافات مختلفة، وأيضاً أهداف وأساليب مختلفة، وكل هذه الشخصيات لها أحلام ومصالح، ولها أيضاً اساليب لتحقيق احلامها ونيل مصالحها، وهنا تتبلور “السياسة”.

فنجد على سبيل المثال محمد، الشخص الكادح الذي يعمل بلا كلل، ووظيفته مندوب، يطالب بترقيته منذ سنوات ولكنه لا يحصل الى على زيادة بسيطة في الراتب في كل سنه.. وبينما نجد علي، الذي أنضم قبل عدة أشهر كمتدرب أصبح رئيساً للمندوبين بعد أن كوّن علاقة مع رب العمل، هذه هي لعبة القوى والنفوذ التي سأتكلم عنها.

هناك أناس يتقنون هذه اللعبة بالفطرة ويتعاملون معها وكأنهم جنرالات في الجيش، يخططون ويدبّرون وينفذون، وهناك أناساً لا يعلمون بها ولم يسمعوا عنها، وهناك من يحاول تعلمها ويصقل خبرته بها يوماً بعد يوم. وأنا دائماً ما أنصح الخريجين والمتدربين الجدد وكل من أعرفهم بأن يتعلموا هذا الجانب الهام من بيئة العمل، فقط لإدراك ما يدور حولهم وكيفية التعامل معه، خاصة وأن كل هذا يؤثر بشكل مباشر على مستقبلهم وتدرجهم الوظيفي.

وهناك ملاحظة هامة.. وهي أن هذه اللعبة خفية، لا تكون ظاهرة، نجدها بين السطور، وفي سياق المحادثات.. وعلى المرء أن يكون واعياً لها، لها تحالفات.. وأصدقاء وأعداء.. وتخطيط وتنفيذ، وللأسف ادارياً لا يمكن التخلص منها، ولكن يمكن التقليل منها بشكل كبير، وهذا أحد أهم أسباب نجاح أبرز المدراء التنفيذيين على مستوى العالم، لأنه عند التقليل منها سيركز الفريق على المنافسة الشريفة وتحقيق النتائج الإيجابية، وبالتالي النجاح.

كما يجب على الموظف محاولة تفاديها بقدر الإمكان مع وعيه لما يدور حوله.

في الجزء الأول من هذه السلسة سأستعرض الشخصيات التي نجدها في أغلب بيئات العمل، وقد تختلف أسماء الشخصيات ولكن معانيها واحدة وهي:

 

1- الشخصية القيادية الشاملة: وهي شخصية قيادية يكون هدفها نجاح الجهة التي تعمل بها أو تقودها وأيضا نجاحها الشخصي، فنرى ثمار اعمالها بنجاح الشركة والفريق وبالتالي النجاح الشخصي الذي يكون على هيئة الترقية أو الثناء على سبيل المثال.

كما أن هذه الشخصية تتميز بوضوح الأهداف عندما تعمل، وبذلك تكون النتائج واضحه ووفق جدول زمني واضح ومحدد.

وهذا النوع من الشخصيات هو الأفضل، وهو ليس منتشر كثيراً، ولكنه مرغوب بشكل كبير وفي الكثير من الأحيان نجد هذه الشخصية تتولى مناصب عدة وتتنقل بين جهات العمل ليُستفاد من قدراتها.

هذه الشخصية ذات اهداف نبيلة وتريد تحقيق النجاح.

 

2- الشخصية القيادية المتسلقة: وهي شخصية قيادية، وتملك مقومات القائد ولكن هدفها يختلف، حيث انها في الظاهر شخصية تريد نجاح العمل والفريق، ولكن هدفها في الباطن أناني وهو الوصول الى هدف شخصي محدد، ولذلك نرى تغيراً كبيراً في نمط المعاملة والمخرجات من هذه الشخصية فور تطور الأمور سواءً للأفضل أو الأسوء، ويلاحظ في هذه الشخصية خبثها ومحاربتها الخفية لكل من يقف في طريقها أو يحاول منافستها لنيل الثناء.

وهذا النوع يبقى في العادة لفترة، قد تطول وتتحقق بها نجاحات ولكنها تنتهي نهاية سيئة، حيث انها تكشف عند تأزم الأمور أو من قبل الشخصيات الأخرى حيث انها يمكن معرفة اهدافها عند الاحتكاك المباشر معها، وفي بعض الأحيان يكتشف انها لا تملك خبرة في الوظيفة التي تقلدتها، وهذا يدل على أن الهدف لم يكن تطوير الذات والعمل، بل التسلق.

الأهداف الحقيقية لهذه الشخصية تتمحور حول النجاح الشخصي فقط، ولكن في الظاهر تكون الاهداف نبيلة، ونلاحظ تعلقها الكبير بأصحاب النفوذ.

 

3- الشخصية الكادحه: وهي الأكثر انتشاراً، هذه الشخصية تعمل ليل نهار، ولساعات عمل طويلة وشاقة، وقد تعمل من حيث عدد الساعات أكثر من أي شخص آخر، ولكنها في نفس الوقت أكثر الشخصيات سوءاً للحظ من حيث الترقيات والتطور، ولذلك نجدها تشتكي من الظلم الإداري، وظلم البيئة المحيطة، السبب يعود الى ان هذه الشخصية لا تتميز بأهداف واضحة حيث أنها تعمل لساعات طويلة وبشكل متواصل دون تحقيق كمية كبيرة من الأهداف وذلك قد يكون له سببان، اما الضغط الذي يمارسه رب العمل، أو قلة التركيز.

وهذه الشخصية عادة ما تقوم بتقديم استقالتها بعد فترة ليست بالطويلة، وتتحول بعد ذلك الى شخصية أخرى عندما تستفيد من دروس الماضي، ولذلك فإن للأمر وجهاً ايجابياً.

كما أن هذه الشخصية يمكن أن تستغل من قبل الشخصية القيادية المتسلقة وذلك عن طريق سرقة الجهد وتقديمة على أنه من صنع هذه الشخصية.

اهداف هذه الشخصية نبيلة الى أبعد الحدود.. وتؤمن بالحياد والعدل والإنصاف، ولذلك تشعر بالظلم في كثير من الأحيان، كما أنها عاطفية ومتعلقة كثيرة بالجهة التي تعمل لديها.

 

4- الشخصية المتحولة: وهذه شخصية تجمع بين الشخصيات التي في الأعلى جميعاً، أي انها تتحول من شخصية لأخرى وفقاً لتغير ظروف العمل، وذلك في الحقيقة أمر ليس بالجيد من وجهة نظري وذلك لأنها تفقد صاحبها التركيز على أمر ما، مثل التطوير الذاتي، أو تطوير جهة العمل، أو تحقيق النجاح في المشاريع.

اهداف هذه الشخصية تتحول من وقت لآخر ولكنها في أغلب الاحيان تكون اهداف ايجابية.

 

بعض المفّكرين وضعوا أنماط اضافية للشخصيات، مثل الشخصية الأخبارية التي تكون أهدافها فقط نقل الأخبار وتسريب المعلومات والإشاعات بين الموظفين وفي بيئة العمل، وعدم الإكتراث لا لنجاح شخصي ولا نجاح العمل ولكن في نظري أن الأنماط التي في الأعلى هذ الأكثر انتشاراً وأدق عرضاً لما نجده في بيئات العمل.

 

بعد أن قمت بإستعراض انماط الشخصيات سأقوم في الحلقة القادمة من هذه السلسلة بالتحدث عن النفوذ وأثره على الموظفين وكيفية التعامل معه.. ومن ثم سأختم بالسبل التي تساعدك لجعل شخصيتك شخصية قيادية شاملة.

 

وفقكم الله

شاركنا رأيك

*